السينما العربية الآن....حراك جديد يعيد رسم المشهد

كتب: محمد زرزور
لم تنتهِ أصداء السينما العربية مع إسدال الستار على مهرجان البندقية السينمائي، بل يبدو أن الأسابيع الأخيرة فتحت مرحلة جديدة من الحراك السينمائي العربي، تتوزع بين أفلام تواصل رحلتها في المهرجانات الدولية، ومشاريع تُنجز في ظروف استثنائية، وعودة مؤسسات ومهرجانات عربية إلى الواجهة، بالتوازي مع بدء موسم اختيار الأفلام العربية لسباق أوسكار 2027.
من غزة التي تستعيد حضورها في السينما الروائية، إلى مصر والمغرب في سباق الأوسكار، والسعودية التي توسع حضورها الدولي، وصولاً إلى الإعلان عن عودة مهرجان دبي السينمائي الدولي في 2027، تبدو الخريطة العربية السينمائية أمام مرحلة جديدة من إعادة بناء المؤسسات والأسواق والجمهور.
غزة… السينما العربية تواصل التصوير رغم الحرب
من أبرز الأخبار السينمائية العربية خلال الأسابيع الأخيرة وصول فيلم «Thirteen in Gaza» للمخرج الفلسطيني الغزّي حسام أبو دان إلى مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، في خطوة لافتة ليس فقط على مستوى المشاركة الدولية، وإنما على مستوى صناعة الفيلم نفسه، فالفيلم هو أول فيلم روائي طويل يُصوَّر بالكامل في غزة منذ 12 عاماً، بعد «The Idol» لهاني أبو أسعد عام 2014.
وقد صور الفيلم بطاقم فلسطيني محلي وفي ظروف الحرب، ويتابع قصة فتاة في الثالثة عشرة من عمرها ووالدها بعد تدمير منزلهما، وانتقالهما إلى مخيم للنازحين، حيث تصبح الحرب جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية والعائلة والطفولة.
واستحوذت شركة MAD World، الذراع الدولية للمبيعات التابعة لـMAD Solutions في القاهرة، على حقوق المبيعات العالمية للفيلم قبل عرضه العالمي الأول في تورونتو. الفيلم إنتاج فلسطيني-قطري، وحصل على دعم من مؤسسة الدوحة للأفلام والصندوق العربي للثقافة والفنون – آفاق.
غزة أيضاً… أكاديمية سينمائية لجيل جديد
وفي تطور موازٍ، أُعلن في سبتمبر عن Gaza Cinema Academy، وهي مبادرة تعليمية تستهدف بناء جيل جديد من صناع الأفلام في غزة، وتحظى المبادرة بدعم أسماء فلسطينية وعربية ودولية، من بينها الممثلان هيام عباس ورامي يوسف، وتسعى إلى تطوير برامج تعليم سينمائي وشراكات تساعد صناع الأفلام في غزة على الوصول إلى المهرجانات والجمهور العالمي، كما تعمل الأكاديمية على تطوير برنامج دراسي في صناعة الأفلام بالتعاون مع جامعة القدس.
المشروع يطرح سؤالاً حول كيفية بناء بنية تحتية سينمائية مستدامة في منطقة تعرضت بنيتها الثقافية والمادية إلى دمار واسع؟
مصر… «القصص» إلى سباق أوسكار 2027
وفي مصر، دخل سباق أوسكار أفضل فيلم دولي مرحلة جديدة مع اختيار فيلم «القصص – Al-Qessass» للمخرج أبو بكر شوقي لتمثيل مصر في النسخة الـ99 من جوائز الأوسكار، وقد أُعلن القرار رسمياً في 17 سبتمبر، بعد تصويت لجنة الاختيار المصرية.
الفيلم، الذي كتب وأخرجَه شوقي، يعود إلى الفترة بين 1967 و1984، ويتابع شاباً موسيقياً يحلم بالسفر إلى فيينا، في حكاية تمزج العلاقات العائلية والتحولات السياسية والاجتماعية المصرية.
ويضم الفيلم أمير المصري، ونيللي كريم، وكريم قاسم، وأحمد كمال، وصبري فواز، وأحمد عبد الله وغيرهم، وكان قد عُرض تجارياً في مصر منذ 17 يونيو/ حزيران، فيما تعود مشاركة مصر الأولى في سباق الأوسكار إلى عام 1958 عندما قدمت «باب الحديد» لـ يوسف شاهين.
المغرب يختار «La Más Dulce»
وفي المغرب، اختارت اللجنة الرسمية فيلم «La Más Dulce» للمخرجة ليلى مراكشي لتمثيل البلاد في فئة أفضل فيلم دولي في أوسكار 2027، وجاء الاختيار بالإجماع في اجتماع اللجنة بالمركز السينمائي المغربي في 2 سبتمبر، من بين أربعة أفلام وصلت إلى المرحلة النهائية، هي:
فيلم «La Más Dulce» – ليلى مراكشي
فيلم «L’Homme des signes» – زهور فاسي فهري
فيلم «The Wound» – سلوى الكوني
فيلم «L’Héritier des secrets» – محمد نديف
وأشار المركز السينمائي المغربي إلى أن الاختيار استند إلى موضوع الفيلم وقيمته الفنية والتقنية وإمكانات توزيعه.
دبي تعود إلى الخريطة السينمائية
ربما كان الإعلان العربي الأكثر أهمية على مستوى البنية المؤسسية للمهرجانات هو قرار إعادة إطلاق مهرجان دبي السينمائي الدولي، فبعد توقف دام نحو عشر سنوات، أعلنت حكومة دبي عودة المهرجان في 8 ديسمبر/كانون الأول 2027، مع صيغة جديدة تركز على السينما العربية وصناع الأفلام في المنطقة.
المهرجان، الذي انطلق عام 2004 واستمرت دوراته حتى 2017، كان أحد أهم المنصات العربية التي جمعت بين عروض الأفلام وبرامج الصناعة والتمويل والتوزيع.
وتقول الجهة المنظمة إن النسخة الجديدة لن تكون مجرد استعادة للماضي، بل ستقدم صيغة جديدة تجمع العروض السينمائية مع برامج الصناعة واكتشاف المواهب وتبادل الخبرات.
عودة دبي تحمل أهمية خاصة لأنها تأتي في وقت يتوسع فيه عدد المهرجانات والأسواق السينمائية العربية، من البحر الأحمر إلى الجونة والدوحة وعمّان، فيما يستعيد مهرجان دبي موقعه المحتمل ضمن هذه المنظومة.
السعودية… الإنتاج المحلي يبحث عن جمهور دولي
في السعودية، تتواصل حركة المهرجانات وبرامج دعم المواهب، ويستعد مهرجان أفلام السعودية لدورته الثالثة عشرة، وقد فتح باب تسجيل الأفلام حتى 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، مع استمرار برامجه المتعلقة بالعروض والورش والدروس المتقدمة وسوق الإنتاج ومسابقة المشاريع.
وفي تطور آخر، تشارك خمسة أفلام سعودية قصيرة ضمن برنامج «على شاشتنا نلتقي» في الدورة الخامسة من مهرجان الأفلام الإيبيرو-أمريكي الدولي في الرياض، الذي يقام من 20 سبتمبر إلى 8 أكتوبر.
هذه المشاركات تكشف جانباً مهماً من التحول السعودي، في الانتقال من التركيز على بناء سوق محلية إلى العمل على إيصال الأفلام السعودية إلى منصات ومهرجانات دولية.
السينما اللبنانية… «Furies» يواصل الرحلة
في لبنان، كان فيلم «Furies» للمخرج رامي كديح من أبرز المشاركات العربية في البندقية، وهو إنتاج لبناني-برازيلي ومدته 133 دقيقة، شارك في Venice Spotlight، وبطولة ماريا نقوزي وريم مروه وحسن عقيل وعصام بو خالد.
ويقدم الفيلم قراءة درامية لشخصيات نسائية وصراعات اجتماعية داخل البيئة اللبنانية، في عمل يواصل حضور السينما اللبنانية في المحافل الدولية.
كما اختتم في بيروت أسبوع آفاق السينمائي 2026 فعالياته في سينما متروبوليس بعد ثمانية أيام من العروض والنقاشات، حيث ضم البرنامج تسعة أفلام مدعومة من الصندوق العربي للثقافة والفنون، قادمة من السودان وسوريا وفلسطين ومصر وتونس والجزائر والمغرب، لكن اللافت أن البرنامج لم يركز فقط على أفلام الحرب والنزوح، بل حمل عنواناً دالاً: «التنقيب ما وراء النظرة».
ومن بين الأفلام المعروضة:
فيلم«Agora» لـ علاء الدين سليم، فيلم «Birdland/Indivision» لـ ليلى كيلاني، فيلم«Les Tempêtes» لـ دانية ريموند بوغنو، فيلم «معطّر بالنعناع» لـ محمد حمدي، فيلم «الثلث الخالي» لـ فوزي بنسعيدي، يفلم «جمهورية الصمت» لـ ديانا الجيرودي، فيلم «حبيبي حسين» لـ أليكس بكري، فيلم «المستعمرة» لـ محمد رشاد، فيلم «Khartoum» للمجموعة السينمائية (أنس سعيد، وراوية الحاج، وإبراهيم سنوبي أحمد، وتيميا محمد أحمد، وفيليب كوكس)
كما خصص الأسبوع ثلاثة أيام للسينما السورية، تضمنت نقاشات حول قاعات العرض والمؤسسات والمنصات ومستقبل البنية السينمائية السورية.

السينما السورية… أسئلة البنية التحتية تعود إلى الواجهة
الاهتمام بالسينما السورية لم يقتصر على بيروت، ففي دمشق، تشهد الساحة المحلية مبادرات سينمائية جديدة، ومن أبرزها الإعلان عن مهرجان حمص للأفلام القصيرة، الذي تقام دورته الأولى بين 1 و4 أكتوبر/تشرين الأول 2026 في سينما حمص، ويهدي دورته الأولى إلى المخرج والناشط السوري الراحل باسل شحادة.
وفي الخارج، أقيمت دورة جديدة من Syrian Doc Days في كوبنهاغن بين 9 و13 سبتمبر، تحت عنوان «Fragments of Home: What Remains»، مع برنامج مخصص للأفلام من سوريا أو عنها.
وفي لندن، يستمر برنامج Syrian Arts and Culture Festival: Dreams of the City، الذي يعيد عرض فيلم محمد ملص «أحلام المدينة» ضمن برنامج يحتفي بالسينما والثقافة السورية.
الجزائر… مهرجان وهران يستعد لدورته المقبلة
وفي الجزائر، فتح مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي باب استقبال المشاركات لدورته المقبلة، مع استمرار استقبال الأعمال حتى 30 سبتمبر، ويأتي ذلك ضمن موسم عربي يشهد نشاطاً متزايداً للمهرجانات التي تسعى إلى استعادة دورها كمساحات للعرض والتواصل بين صناع الأفلام العرب.
وفي تطور آخر، حصلت الممثلة الجزائرية حورية بهلول على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان هلسنكي للفيلم العربي عن دورها في الفيلم القصير «الضحية صفر».

السينما العربية أمام مرحلة جديدة
المشهد العربي اليوم لا يمكن اختصاره في صورة واحدة، فهناك سينما تأتي من مناطق الحرب، وأخرى تبحث عن الذاكرة، وأخرى تركز على العلاقات الإنسانية والحياة اليومية، وأخرى تدخل في صناعات تجارية أكبر، ويمكن هنا أن نطرح تساؤلاً مهماً، من يمول السينما العربية؟
من مؤسسة الدوحة للأفلام إلى آفاق، ومن الصناديق السعودية إلى برامج الصناعة في المهرجانات، ومن شركات المبيعات مثل MAD Solutions إلى برامج التطوير الأوروبية، تتشكل شبكة تمويل جديدة نسبياً، لكنها لا تزال غير متوازنة بين الدول.
وتظهر أهمية هذا الموضوع بوضوح في برنامج Final Cut in Venice، الذي يقدم دعماً لأفلام من إفريقيا والعراق والأردن ولبنان وفلسطين وسوريا واليمن، بما فيها مشاريع عربية وصلت إلى مراحل متقدمة من الإنتاج وما بعد الإنتاج.
وفي البندقية وحدها، كان هناك هذا العام حضور لافت لمشاريع عربية مدعومة من مؤسسة الدوحة للأفلام، سواء في البرامج الرسمية أو سوق الصناعة أو Final Cut.
لكن ما يجمع جزءاً كبيراً من هذا الحراك هو الانتقال من مرحلة إنتاج الفيلم إلى مرحلة بناء منظومة سينمائية كاملة، وهذه ربما تكون أهم قصة في السينما العربية اليوم، فالقضية لم تعد فقط أن نمتلك أفلاماً عربية جيدة، وإنما أن نمتلك القدرة على إنتاجها وحمايتها وتوزيعها والوصول بها إلى جمهورها العربي والعالمي.
ومن غزة إلى القاهرة، ومن الرباط إلى الرياض، ومن بيروت إلى دبي، تبدو الخريطة السينمائية العربية في منتصف سبتمبر 2026 وكأنها تعيد ترتيب نفسها.
والسؤال في المرحلة المقبلة ليس إن كانت السينما العربية قادرة على إنتاج أفلام جديدة، بل كيف ستبني المؤسسات والأسواق والجمهور الذين سيمنحون هذه الأفلام حياة أطول من عمر المهرجان.



























تعليقات