إلى أي مسار كرّس "Dhurandhar" توجه السينما الهندية نحو العنف؟
- djameleddine bouziane

- قبل 3 ساعات
- 4 دقيقة قراءة

بقلم: جمال الدين بوزيان
لا يمكن أن نقول بأن فيلم الأكشن والجوسسة البوليوودي Dhurandhar بجزئيه الأوّل والثاني، هو من بدأ وأنشأ موجة أفلام الأكشن الدموي والعنف المفرط السائدة الآن في أشهر سينمات الهند، بوليوود وسينمات الجنوب الهندي الأربع، لكنه كرّس هذه الظاهرة وأكد على نجاحها كصناعةٍ تجاريةٍ تجذب الجمهور المحلي بشكلٍ هيستيري ومعه الجاليات الهندية والآسيوية بصفةٍ عامة في مختلف دول العالم، ونسبة جيدة معهم أيضاً من الجمهور العربي.
فيلم "Dhurandhar" في جزئه الثاني المعنون بـ Dhurandhar 2 : The Revenge اكتسح البوكس أوفيس الهندي والعالمي وحقق أرقاماً قياسيةً وفي فترةٍ وجيزةٍ، وبشكلٍ يشبه تسونامي أرباح، تفتح شهية أي منتجٍ أو مخرجٍ آخر للسير على نفس النهج، خاصةً في بوليوود، كوليوود، و توليوود، وهي السينمات الهندية الأضخم من حيث الميزانيات والأقرب لبعضها البعض من حيث نوعية الأفلام الرائجة، وهي التي سيطرت عليها موجة العنف المفرط أكثر من سينما المالايالام، التي تسير في تيارٍ مختلفٍ عنهم كثيراً حتى من قبل ظهور هذه الموجة.
لدى موليوود نهجٌ مختلفٌ في صناعة الأفلام وطرح القصص والقضايا بهدوءٍ ودون صخبٍ، وكذلك أرباحها أحياناً كثيرةً تكون كبيرةً ومرضيةً جدًا مقارنةً بميزانياتها البسيطة، أما سينما الكانادا، فهي في الغالب خارج سباق البوكس أوفيس مع أفلام مومباي والتاميل والتيلوغو، بإستنثاء أفلام الممثلين "ياش" "ريشاب شيتي"، ولو استطعنا أن نصف طبيعة الأفلام السائدة في صندلوود، يمكن أن نقول بأن جزءً منها يحاول محاكاة الأكشن المسيطر مثل أفلام "ياش" خاصةً، وجزءٌ منها أقرب لنوعية الأفلام المالايالامية، رغم الكثافة السكانية المعتبرة في الإقليم وانتشار لغة الكانادا، لكن هذا لم يجعل منها منافساً قوياً في الغالب، إلا إذا صدر جديد من "ياش" أو "ريشاب".
حقق فيلم Dhurandhar 2 : The Revenge وفق بيانات موقع "ساكنيلك" المنشورة مع بداية عروض يوم 13 أبريل/ نيسان 2026، إيراداتٍ إجماليةٍ بلغت حوالي 1712 كرور (أكثر من 205 مليون دولار أمريكي)، منذ صدوره في 19 مارس/ آذار 2026، أي خلال 25 يوماً فقط من بداية صدوره، وهو رقمٌ قياسي آخر يضاف لرقمه القياسي الأوّل المسجل في يومه الإفتتاحي، ولرقمه القياسي في الفترة القصيرة التي وصلت فيها الإيرادات الإجمالية لـ 1000 كرور (120 مليون دولار أمريكي)، كما وحسب ما أكد ذات الموقع الهندي، أصبح "Dhurandhar2" هو أوّل فيلمٍ هندي يصل لصافي أرباحٍ محليةٍ بلغت 1000 كرور (120 مليون دولار أمريكي)، وهو الخبر الذي تداولته أغلب المصادر الهندية، ولم ينكره أو يعارضه أي طرفٍ أو مصدرٍ هندي آخر لحد الآن.
بدأت موجة أفلام العنف المبالغ فيه تتنامى في سينمات الهند في السنوات الأخيرة، مع كل فيلمٍ دموي بوليوودي أو جنوبي ينجح في البوكس أوفيس، ومع كل محاكاةٍ، تظهر بعدها أفلامٌ تتنافس في حشو مشاهد العنف بالسلاح الأبيض والمعارك التي تحاول أن تكون أقرب للواقع، لأن العنف الواقعي في السينما حتى في هوليوود أكثر جذبًا للمشاهد من عنف الأبطال الخارقين، أو العنف الذي تراعى فيه مشاعر المشاهد وصغار السن، لذلك يحرص صناع تلك الأفلام الهندية على تركيز الكاميرا على أثر الرصاصة في جسم الممثل وأثرها عليه وتناثر الدماء أمام الكاميرا، وتطاير الدماء في الهواء وعلى الأرض بمجرد ملامسة السيف أو الخنجر لجسم الممثل، والتأكيد على أن مظهر الممثلين حتى لو كومبارس يكون ملطخاً بالدماء، فلم نعد نرى البطل الذي يقاتل ويبقى هندامه نظيفاً وشعره مصففاً مثل "جيمس بوند"، بل أصبح أبطال الأفلام الهندية يتفاخرون بصورهم على أفيشات أفلامهم وهم ملطخون بالدماء، على الوجه والجسم، مع ملابس ممزقةٍ وشعرٍ غير مصفف، أو بالأحرى مصففٍ بطريقةٍ خاصة ليظهر للمشاهد أنه أشعثٌ وعشوائي.
يمكن أن نلاحظ أن هذه الموجة تضخمت أكثر بعد الخروج من جائحة كورونا، وعودة صالات السينما للعمل وانتظام العروض والإنتاجات السينمائية، لا أدري ما هي العلاقة؟ لكن مجرد متابعةٍ بسيطةٍ لأهم الأفلام الدموية التي نجحت مؤخراً في سينمات الهند، نجد أنها كلها صدرت بعد 2021 و 2022 مثل: Animal سنة 2023، Kill سنة 2023، Bloody Daddy سنة 2023، Salaar: Part 1 سنة 2023، Marco سنة 2024، Pushpa 2 سنة 2024، Hit 3 سنة 2025، Baaghi 4 سنة 2025، Kingdom سنة 2025، Retro سنة 2025.
يذكر أن أغلب المصادر الهندية والكتاب الهنود يصنفون الفيلم البوليوودي Animal الصادر سنة 2023، للمخرج "سانديب ريدي فانغا" وبطولة "رانبير كابور"، كمتهمٍ أوّل وكأكبر مشجعٍ لصناع الأفلام في الهند على الاستمرار والسير على هذا النهج العنيف جدًا، نظرًا لنجاحه الكبير في شباك التذاكر حينها، ولنجومية بطله والأبطال المساعدين خاصة "أنيل كابور" و"بوبي ديول"، يعامل هذا الفيلم غالباً في الصحافة الفنية الهندية على أنه السبب في زيادة شهية الجمهور وصناع الأفلام لهذه النوعية من الإنتاجات.
وهذا لا يجعلنا ننكر أن السينما الهندية في الألفية الثالثة وقبل جائحة كورونا، عرفت أيضاً عدداً جيداً من نوعية هذه الأفلام، لكنها لم تكن تصدر تباعاً وبهذا الكم، ولم تبدو حينها كأنها موجةٌ يحاكيها الجميع ويسير معها كالقطيع طمعاً في الربح والإيرادات الضخمة، مثل: Rakta Charitra سنة 2010، Gangs of Wasseypur سنة 2012، Agneepath سنة 2012، NH10 سنة 2015.
كما أنه في بداية الألفية الثالثة وفي العشرية الأولى منها، كانت الأفلام الرومانسية وأفلام الماسالا لا تزال مربحةً نوعاً ما، ومرغوبةً من طرف الجمهور المحلي وصناع الأفلام، إضافةً إلى ظهور موجة أفلام الإغراء والعري غير المسبوق في السينما الهندية في تلك الفترة من العشرية الجديدة، برعاية بعض المنتجين وصناع السينما، على رأسهم الممثلة والمنتجة الهندية "بوجا بهات"، التي صنعت عدداً من أفلام الإغراء اللافتة والجريئة جداً، وكأنها كانت تؤسس هي الأخرى لموجةٍ مختلفةٍ من نوعية أفلامٍ هندية غير مألوفة، وفعلاً سار البعض من المنتجين والممثلين مع تلك الموجة، لكن كان عمرها قصيراً، لأن الواقع يقول بأن عمر الإغراء في الهند قصيرٌ، سواءً كفيلمٍ أو كممثلةٍ مختصةٍ في تلك الأدوار، إذا لم يكن مقترناً بمساحة مشاهد أكشن كثيرة، ومع قصة حبٍ بريءٍ ترافق تلك المشاهد الجريئة والصادمة، وهذه معادلةٌ تفرضها طبيعة الجمهور المحلي في الهند.
بالعودة لفيلم "Dhurandhar"، أتوقع أن يستمر تأثيره على الأقل للسنتين القادمتين 2027 و 2028، فقد نرى عديد الإنتاجات السينمائية الهندية التي تحاول تكرار تجربته الناجحة وغير المسبوقة مع البوكس أوفيس، عبر تقليد ما يراه صناع الأفلام أهم عناصر نجاحه، وهو العنف والأكشن غير المتوقف، سواء كان العدو هو باكستان كما في "Dhurandhar"، أو أي عدو آخر، تدغدغ عداوته مشاعر الجمهور المحلي أكثر، وتزيد من ارتباط المشاهد بالبطل والقضية التي يدافع عنها.
لكن، يجب أن يراعي من يحاول محاكاة قصة نجاح "Dhurandhar"، أن البطولة فيه كانت جماعيةً وإن كان يبدو للوهلة الأولى أن "رانفير سينغ" هو البطل المطلق، كانت مساحة الأدوار لكل ممثلٍ محوري أو ثانوي مقسمةً بشكلٍ مناسبٍ جداً لتأثير كل شخصيةٍ في أحداث الفيلم، خاصةً وأن أغلب الممثلين المحوريين هم من نجوم الصف الأوّل ومن مشاهير الهند مثل: أر. مادهافن، أرجون رامبال، أكشاي خانا، سانجاي دوت.
ربما تجربة "Dhurandhar" في جانب توزيع الأدوار ومنطقية بناء شخصيات العمل وتطور وتغير مستوياتها، تشبه لحدٍ بعيدٍ ما رأيناه في فيلم Animal سنة 2023، وكلا الفيلمين، أسسا ليكون "رانبير كابور" و"رانفير سينغ" هما أهم نجمين في جيلهما، مثلما كان الخانات الثلاثة في الهند من الجيل السابق: شاروخان، سلمان، وعامر.

























تعليقات